بين صخب المدينة وهدوء القرية
الفصل الثالث
قلت لأحمد: وما الذي يزعجك في القرية
هل تجدني أبالغ في الهدوء الذي يخيم عليها
أجابني: لا طبعا من حيث الهدوء فهي هادئة
لكن ليس هدوء السكينة والطمأنينة
إنه سكون ما قبل العاصفة
ألم تر على وجوه ساكنيها كل ألوان البؤس
لقد مضى ذاك الزمان الذي كان فيه أهل القرية
ينعمون بالخيرات
من ماء فرات ينساب على الربوات
ومن ثمرات الزيتون منه يأكلون ومنه يعصرون
ومن مرعى على ضفاف النهر يسمن المواشي
ويغني الضرع بالألبان
لعلك لم تزر القرية منذ سنين خلت
لعلك ما زلت تحمل في ذاكرتك تلك الأيام الزاهرة
التي كان حينها أهل القرية في نعيم
لا يجوعون ولا يظمأون
أما وأن الجفاف عم جل السهول
وانتشر بعدها في المرتفعات
ثم اقتحم الربوات الجبلية
بل وبدأ يسيطر على بعض أعالي الجبال
فإن أهل القرية اسودت وجوههم بفعل ضنك العيش
وبدأ الشباب ينزح نحو المدن لعله يجد عملا ما
يساعده على سد رمقه ورمق من ترك وراءه في القرية
ألم تقرأ أو تسمع أن بعض القرى خلا منها الشباب
ولم يبق فيها إلا الشيب والعجائز؟
قلت لأحمد: لقد فاجأتني بحديثك هذا
ما كنت أتصور أن حال القرية بلغ هذا المستوى من التدهور
أضاف أحمد: انصت الي جيدا يا صديقي
مما زاد في الطين بلة
أن التيار الكهربائي الذي وصل اليها
عوضا أن يكون بردا وسلاما على أهلها
تسبب في مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية
هذا لا يعني أن مشاريع كهربة القرى كانت خطأ
وأن الأولى أن تبقى بدون شبكة كهربائية
فالطاقة الكهربائية تحقق إنارة الطرق القروية
مما يساعد على تأمين المرور ليلا
وعلى إنارة البيوت وتشغيل آلات منزلية
مثل الثلاجات والتلفزات وغيرها
وهذه النقلة النوعية أعطت لأهل القرية وقتا ليليا إضافيا
يساعد على الحديث والسمر بين أفراد الأسرة
ويساعد الأطفال على مراجعة دروسهم والقيام بفروضهم
تحت ضوء مصباح كهربائي
بدلا من ضوء شمعة أو قنديل
إلا أن الإشكال يكمن في كيفية إيجاد الدخل الإضافي
لمواجهة المصاريف المترتبة على هذا التغيير
ثم أن ولوج التلفاز داخل البيت القروي
حرك شهية الأسرة القروية إثر مشاهدتها المسلسلات
والأفلام والسهرات والبث الإشهاري
الأمر الذي زرع في صدور أفرادها
أذواق جديدة لم تكن معروفة ومحسوسة من قبل
تحولت الى حاجيات ملحة
لا يجد رب الأسرة سبيلا لتلبيتها
قلت لصديقي أحمد صارخا
ارحمني يا أحمد لقد أضفت اللون الأسود
الى اللوحة الجميلة التي كنت أحملها في ذاكرتي
لقد أصبح منظر القرية في ذهني رماديا قاتما
يبعث على الحزن والكآبة
لم يضف بعدها أحمد ولو شطر كلمة
قفلنا عائدين من حيث أتينا
افترقنا كل واحد منا اتخذ وجهة بيته
على أمل أن نلتقي فيما بعد دون أن نضرب موعدا
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
دجنبر 2013
الفصل الثالث
قلت لأحمد: وما الذي يزعجك في القرية
هل تجدني أبالغ في الهدوء الذي يخيم عليها
أجابني: لا طبعا من حيث الهدوء فهي هادئة
لكن ليس هدوء السكينة والطمأنينة
إنه سكون ما قبل العاصفة
ألم تر على وجوه ساكنيها كل ألوان البؤس
لقد مضى ذاك الزمان الذي كان فيه أهل القرية
ينعمون بالخيرات
من ماء فرات ينساب على الربوات
ومن ثمرات الزيتون منه يأكلون ومنه يعصرون
ومن مرعى على ضفاف النهر يسمن المواشي
ويغني الضرع بالألبان
لعلك لم تزر القرية منذ سنين خلت
لعلك ما زلت تحمل في ذاكرتك تلك الأيام الزاهرة
التي كان حينها أهل القرية في نعيم
لا يجوعون ولا يظمأون
أما وأن الجفاف عم جل السهول
وانتشر بعدها في المرتفعات
ثم اقتحم الربوات الجبلية
بل وبدأ يسيطر على بعض أعالي الجبال
فإن أهل القرية اسودت وجوههم بفعل ضنك العيش
وبدأ الشباب ينزح نحو المدن لعله يجد عملا ما
يساعده على سد رمقه ورمق من ترك وراءه في القرية
ألم تقرأ أو تسمع أن بعض القرى خلا منها الشباب
ولم يبق فيها إلا الشيب والعجائز؟
قلت لأحمد: لقد فاجأتني بحديثك هذا
ما كنت أتصور أن حال القرية بلغ هذا المستوى من التدهور
أضاف أحمد: انصت الي جيدا يا صديقي
مما زاد في الطين بلة
أن التيار الكهربائي الذي وصل اليها
عوضا أن يكون بردا وسلاما على أهلها
تسبب في مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية
هذا لا يعني أن مشاريع كهربة القرى كانت خطأ
وأن الأولى أن تبقى بدون شبكة كهربائية
فالطاقة الكهربائية تحقق إنارة الطرق القروية
مما يساعد على تأمين المرور ليلا
وعلى إنارة البيوت وتشغيل آلات منزلية
مثل الثلاجات والتلفزات وغيرها
وهذه النقلة النوعية أعطت لأهل القرية وقتا ليليا إضافيا
يساعد على الحديث والسمر بين أفراد الأسرة
ويساعد الأطفال على مراجعة دروسهم والقيام بفروضهم
تحت ضوء مصباح كهربائي
بدلا من ضوء شمعة أو قنديل
إلا أن الإشكال يكمن في كيفية إيجاد الدخل الإضافي
لمواجهة المصاريف المترتبة على هذا التغيير
ثم أن ولوج التلفاز داخل البيت القروي
حرك شهية الأسرة القروية إثر مشاهدتها المسلسلات
والأفلام والسهرات والبث الإشهاري
الأمر الذي زرع في صدور أفرادها
أذواق جديدة لم تكن معروفة ومحسوسة من قبل
تحولت الى حاجيات ملحة
لا يجد رب الأسرة سبيلا لتلبيتها
قلت لصديقي أحمد صارخا
ارحمني يا أحمد لقد أضفت اللون الأسود
الى اللوحة الجميلة التي كنت أحملها في ذاكرتي
لقد أصبح منظر القرية في ذهني رماديا قاتما
يبعث على الحزن والكآبة
لم يضف بعدها أحمد ولو شطر كلمة
قفلنا عائدين من حيث أتينا
افترقنا كل واحد منا اتخذ وجهة بيته
على أمل أن نلتقي فيما بعد دون أن نضرب موعدا
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
دجنبر 2013
الهجرة القروية آفة اقتصادية و اجتماعية ، كانت نتيجة للتهميش الذي تعاني منه القرية من جهة ، و للجفاف الذي هو عامل مناخي من جهة أخرى . و لا يجب حتما إغفال عامل الكسل و الخمول الذي أصبح سائدا بين فئات الشباب القروي الذي أصبح يحلم بإيجاد عمل في المدينة و تلقي راتب شهري بدل العمل الكدّ و الإجتهاذ و العمل الذؤوب في أرض الآباء و الأجداد و البحث الحثيث عن المصادر المائية ، رغم قلتها ، و استصلاح أراضيهم ، ففي النهاية الأرض لم تكن يوما جاحدة و بحيلة في عطائها لو وجدت من يعتني بها .
RépondreSupprimerالتغيير الذي حصل للبادية وسكانها لم يكن ناجحا مئة في المئة ، فأهل القرية تمكنوا من إدخال وسائل الراحة لبيوتهم ، لكن بالمقابل ساءت حالة الفلاح وأرضه لأن معظم الفلاحين أبقوا على الطرق القديمة في الزراعة و الفلاحة ، مما نتج عنه دخل فلاحيّ هزيل ، أدّى بالبعض لمغادرة قراهم و بواديهم لكسب الرزق . فالعصرنة كانت فقط جلية على مستوى الكهربة و الكماليات ، أما الفلاحة التي هي عصب القرية ، فقد بقيت على ما هي علية منذ عقود ، فما فائدة تغيير لا يطال الجوهر ؟
RépondreSupprimer