mercredi 25 décembre 2013

بين صخب المدينة وهدوء القرية... الفصل الثالث

 بين صخب المدينة وهدوء القرية
الفصل الثالث

قلت لأحمد: وما الذي يزعجك في القرية
هل تجدني أبالغ في الهدوء الذي يخيم عليها 
أجابني: لا طبعا من حيث الهدوء فهي هادئة
 لكن ليس هدوء السكينة والطمأنينة 
إنه سكون ما قبل العاصفة 
ألم تر على وجوه ساكنيها كل ألوان البؤس 
لقد مضى ذاك الزمان الذي كان فيه أهل القرية 
ينعمون بالخيرات 
من ماء فرات ينساب على الربوات 
ومن ثمرات الزيتون منه يأكلون ومنه يعصرون 
ومن مرعى على ضفاف النهر يسمن المواشي 
ويغني الضرع بالألبان 
لعلك لم تزر القرية منذ سنين خلت 
لعلك ما زلت تحمل في ذاكرتك تلك الأيام الزاهرة 
التي كان حينها أهل القرية في نعيم 
لا يجوعون ولا يظمأون 
أما وأن الجفاف عم جل السهول 
وانتشر بعدها في المرتفعات 
ثم اقتحم الربوات الجبلية 
بل وبدأ يسيطر على بعض أعالي الجبال 
فإن أهل القرية اسودت وجوههم بفعل ضنك العيش 
وبدأ الشباب ينزح نحو المدن لعله يجد عملا ما 
يساعده على سد رمقه ورمق من ترك وراءه في القرية 
ألم تقرأ أو تسمع أن بعض القرى خلا منها الشباب 
ولم يبق فيها إلا الشيب والعجائز؟ 
قلت لأحمد: لقد فاجأتني بحديثك هذا 
ما كنت أتصور أن حال القرية بلغ هذا المستوى من التدهور 
أضاف أحمد: انصت الي جيدا يا صديقي 
مما زاد في الطين بلة 
أن التيار الكهربائي الذي وصل اليها 
عوضا أن يكون بردا وسلاما على أهلها 
تسبب في مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية 
هذا لا يعني أن مشاريع كهربة القرى كانت خطأ 
وأن الأولى أن تبقى بدون شبكة كهربائية 
فالطاقة الكهربائية تحقق إنارة الطرق القروية 
مما يساعد على تأمين المرور ليلا 
وعلى إنارة البيوت وتشغيل آلات منزلية 
مثل الثلاجات والتلفزات وغيرها 
وهذه النقلة النوعية أعطت لأهل القرية وقتا ليليا إضافيا 
يساعد على الحديث والسمر بين أفراد الأسرة 
ويساعد الأطفال على مراجعة دروسهم والقيام بفروضهم 
تحت ضوء مصباح كهربائي 
بدلا من ضوء شمعة أو قنديل 
إلا أن الإشكال يكمن في كيفية إيجاد الدخل الإضافي 
لمواجهة المصاريف المترتبة على هذا التغيير 
ثم أن ولوج التلفاز داخل البيت القروي 
حرك شهية الأسرة القروية إثر مشاهدتها المسلسلات 
والأفلام والسهرات والبث الإشهاري 
الأمر الذي زرع في صدور أفرادها 
أذواق جديدة لم تكن معروفة ومحسوسة من قبل 
تحولت الى حاجيات ملحة 
لا يجد رب الأسرة سبيلا لتلبيتها 
قلت لصديقي أحمد صارخا
ارحمني يا أحمد لقد أضفت اللون الأسود 
الى اللوحة الجميلة التي كنت أحملها في ذاكرتي 
لقد أصبح منظر القرية في ذهني رماديا قاتما 
يبعث على الحزن والكآبة 
لم يضف بعدها أحمد ولو شطر كلمة 
قفلنا عائدين من حيث أتينا 
افترقنا كل واحد منا اتخذ وجهة بيته 
على أمل أن نلتقي فيما بعد دون أن نضرب موعدا
كل الحقوق محفوظة للكاتب
 حامد البشير المكي
دجنبر 2013



mardi 10 décembre 2013

بين صخب المدينة وهدوء القرية ... الفصل الثاني

بين صخب المدينة وهدوء القرية 
الفصل الثاني

أجابني صديقي أحمد 
أما عن صخب المدينة فهذا واقع مر يلفح الضمير 
فالحياة في المدينة أصبحت جحيما لا يطاق 
ليس بسبب الصخب الناتج عن حركة المرور الفوضوية فحسب
بل عليك أن تحسب ألف حساب إذا أردت أن تغادر بيتك راجلا 
للذهاب الى العمل أو السوق أو المسجد أو الى أي مكان آخر 
فقد تكون ضحية لحادث السير المسعور 
على يد راكب دراجة نارية مهتز الوعي 
وكأنه يصوب مدفعه الرشاش نحو عدو وهمي 
أو على يد راكب سيارة غادر المخمرة في ساعة متأخرة من الليل 
أو على يد سائق حافلة تشتكي من نوائب الدهر 
 أو شاحنة تنفث سحبا هوجاء من الدخان الخانق
فكل هذه الآلات صممت وصنعت في الأصل 
لمساعدة الناس في حياتهم 
وتيسير تنقلهم وحمل أثقالهم وأمتعتهم
لكنها انقلبت الى أدوات لحصد الأرواح 
وكسر العظام وبتر الأعضاء 
الأمر الذي يدمر الموارد البشرية للمجتمع 
وينسف النمو الإقتصادي والعمراني 
ويجعل من الإنسان المديني مادة خربة
 تتجاذبها المستشفيات والمصحات 
هذا عن حالة المرور المزرية الخطيرة
 إذ أن ليس هناك احترام لقانون السير 
الذي وضع لحماية المواطن والصالح العام
أما شبكة الطرق من شوارع وأزقة 
فحدث و لا حرج عن ضعف التخطيط 
إذ ليس هناك نظرة مستقبلية على المدى البعيد 
فسرعان ما تصبح الشبكة الطرقية متجاوزة 
نظرا لإرتفاع عدد وسائل النقل 
نتيجة إرتفاع عدد السكان 
وتغير أنماط عيشهم 
حيث يضطرون للتنقل يوميا 
أكثر مما كان عليه الحال في الزمن الماضي 
إضافة الى ظاهرة خروج المرأة من البيت 
إما من أجل العمل أو التسوق أو قضاء مآرب أخرى 
كان رب البيت هو الذي يقوم بها من قبل 
فاستقال من القيام بها طوعا أو كرها 
وكذلك سوء إنجاز الأشغال المتعلقة بتوسيع الشوارع 
حيث لا تعطى العناية الكافية لسلامة المواطن 
أكان راكبا أم راجلا 
وأخيرا سوء الصيانة حيث أنها لا تخضع الى الضوابط المعتبرة
إلا في بعض المناطق المميزة المحظوظة 
قلت لصديقي
 كلامك يؤكد أن الحياة في المدينة 
أصبحت لا تطاق بسبب ضجيجها ومخاطرها 
وأن العيش في القرية يهبك الهدوء وراحة البال
عقب أحمد قائلا
مهلا يا عمر نحن نتفق تماما حول صخب المدينة 
لكننا نختلف فيما يتعلق بهدوء القرية 
يتبع
كل الحقوق محفوظة للكاتب
حامد البشير المكي
ديسمبر 2013

dimanche 8 décembre 2013

بين صخب المدينة وهدوء القرية ... الفصل الأول

بين صخب المدينة وهدوء القرية 
الفصل الأول

كنت أمشي بجانب صديقي أحمد
ذات صباح على رصيف أحد شوارع المدينة 
الموشى بالحفر الصغيرة والكبيرة هنا وهناك 
إذ أن على المارة أن يتخذوا الحذر اللازم 
لكي لا تتعثر قدمهم وتزل في إحداها 
فيحصل ما لا تحمد عقباه
والمرصع بالمهملات من كل الأشكال والألوان 
المرمية على طول الرصيف وعرضه 
وقد تشكل هي الأخرى خطرا محدقا 
سيما إذا كانت بعض الأكياس 
مليئة بموادة لزجة تساعد على الإنزلاق 
كنا أنا وصديقي نمشي بحذر 
ننظر الى الأرض لكي نضع أقدامنا في الموضع الآمن 
قلت له
هل صعدت الجبل يوما
بحثا عن الراحة والإستجمام
بعدما أتعبثك المدينة بمشاغلها التي لا تنتهي 
والتي تقبضك بمخالبها الحادة 
على مدار الأيام 
تنقلك من لسعة الشقاء الى وهم السعادة 
ومن زيف الوفاء الى سم الخيانة
وهل دخلت إحدى القرى الجبلية
الراسية على الربوات المطلة على الوادي 
تستحم بهواءها النقي ليزيل عنك تلوث المدينة 
وتنظف نفسك مما علق بها بسبب شر شياطين المدينة
وهل نزلت ضيفا على أهلها الوديعين الطيبين 
الذين تربوا على الأصالة والكرامة 
واقتنعوا بعيش العفاف والكفاف
و هل صليت معهم الظهر
في مسجد القرية الصغير ذي المعمار المتواضع 
الذي لا يلهي المصلي بزخرف الدنيا الفانية
لكنه يبعث على السكينة والطمأنينة
وهل تحدثت الى إمام المسجد
الذي له كذلك مهام أخرى
منها الأذان وصيانة المسجد
وتأديب الأطفال وتعليمهم القرءان
و حضور وليمة الزفاف وإلقاء كلمة بالمناسبة
وغسل الميت وإلقاء الموعظة عند دفنه
ورأب الصدع عند حصول نزاع ما 
وهل تناولت طعام الغذاء عند أحد أهل القرية 
بصحبة بعض من أبنائه أوإخوته 
وشربت الشاي المعطر بالأعشاب العطرية 
برفقة بعض من أبناء عمومة المضيف أوجيرانه 
وهل بقيت في الضيافة حتى الليل 
وتمتعت بحكايات أهل القرية 
المستمدة من تراثهم الضارب في التاريخ 
والتي يتجاذبونها مرارا وتكرارا
لأنها تقوي ذاكرتهم الجمعية 
وتمتن أواصر القربى بينهم 
وهل خرجت بعد المسامرة من بيت المضيف 
وابتعدت عن المباني المتكئة على منحدر الجبل
المصنوعة جدرانها وسقوفها من الحجارة والطين 
وهل وقفت على ذروة الربوة التي تعلو القرية 
ورفعت رأسك الى السماء 
تتأمل المصابيح المتلألئة التي تزين أديمها 
وتتفكر في ملكوت الله بديع السماوات والأرض 
بالله عليك, ما الأفضل 
صخب المدينة أم هدوء القرية؟ 
يتبع
كل الحقوق محفوظة للكاتب 
حامد البشير المكي
شتنبر 2013